الأحد، 7 يونيو 2009

بابيلاس القديس
يُعتبر القديس بابيلاس Babylas أو بابيلوس من أعظم أساقفة أنطاكيا الأولين بعد القديس أغناطيوس النوراني. سيم بطريركًا على أنطاكية حوالي سنة 237م خلفًا لزبينوس Zebinus، وبقيَّ الراعي الساهر على شعب الله، السالك بروح التقوى والحب مع الحزم لمدة 13 سنة. عاصر ثلاثة ملوك، هم غرديانوس Gordian وفيلبس وداكيوس. حزم مع الإمبراطور يروي لنا المؤرخ يوسابيوس أن فيلبس كان من أصل عربي من بلاد حوران، وكان هو وزوجته سفيرا مسيحيين. عمل كجنديٍ صغيرٍ وتدرج في الرتب حتى استطاع أن يتولى الحكم خلفًا لغرديانوس بناء على طلب الجيش بينما كان غرديانوس على سرير الموت سنة 244م، وكانت الحرب دائرة بين الرومان والفرس. أخيرًا إذ استتب الأمر بعقد مصالحة مع سابور الأول ملك الفرس، قتل فيلبس ابن الملك غرديانس الذي كان قد أوصاه به ووكَّل إليه عنايته، حتى يخلو له الجو منطلقًا إلى روما بمساندة الجيش. في الطريق مرّ بأنطاكية وكان عيد القيامة قد حلّ، فذهب فيلبس إلى الكنيسة يقدم قرابينه كعادة المؤمنين. وإذ بلغ باب الكنيسة ومعه أحد كبار رجال الجيش خرج إليه البطريرك بابيلاس ومنعه من الدخول إلى بيت الله ما لم يقدم توبة صادقة عن قتله للطفل البريء، وبالفعل لم يدخل فيلبس الكنيسة وبقيّ في الخارج مع جماعة الباكين يطلب بدموع مراحم الله. بقيّ هذا الحدث في ذهن الكنيسة عبر الأجيال درسًا حيًّا وعمليًّا للرعاية الصادقة بلا محاباة، حيث يهتم الراعي بخلاص المؤمنين دون النظر إلى كرامتهم الزمنية. هنا أود أن أؤكد أن الإمبراطور ما كان يمكنه أن يقف هكذا في صفوف التائبين الباكين لو لم يشعر مع حزم البطريرك حبه له وشوقه الحقيقي لخلاص نفسه، وأدرك أنه لم يفعل ذلك عن تشامخٍ بل في اتضاعٍ. بقيّ فيلبس خمس سنوات ملكًا (244 - 249م) لم يخدم فيها الكنيسة بشيء، لا بقليل ولا بكثير، إنما يمكن أن يُقال أن الكنيسة استراحت في أيامه من الاضطهاد للعمل الرعوي والكرازي لتُجابه حلقات من الضيق الشديد بعد ذلك. كما فعلت يُفعل بك في عام 249م ثار الجند على الإمبراطور كما على سلفه وقتلوه ليخلفه داكيوس أحد أعضاء مجلس الشيوخ، وكان قد وثق فيلبس فيه وطلب منه أن يخمد ثورة الجيوش عليه لكنه خانه واحتلَّ مركزه؛ وكأن ما قد سبق فصنعه في سلفه غرديانوس ارتدَّ عليه. وكما يقول الكتاب: "كما فعلت يُفعل بك، عملك يرتد على رأسك" (عو 15). وأيضًا: "لأن كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون" (مت 52:26). عذاباته تولى داكيوس الحكم لمدة سنتين تقريبًا ولم يكن له عمل سوى اضطهاد الكنيسة. في أيامه أُلقيّ القبض على البطريرك بابيلاس ومعه ثلاثة أولاد أيتام أعمارهم 12، 9، 7 سنوات كان يهتم بهم البطريرك، وصار الوالي يعذب الأربعة حتى مات الأولاد الثلاثة من العذابات أمام عيني البطريرك، وأخيرًا أُلقيّ بابيلاس في السجن ليرقد في الرب من شدة الآلام، وإن كان القديس يوحنا الذهبي الفم يرى أنه قُطعت رأسه. بنى القيصر غاليوس Gallus أخ يوليانوس الجاحد كنيسة فخمة باسم الشهيد بابيلاس في ضواحي مدينة أنطاكية وذلك في منتصف القرن الرابع، وجاء أخوه يوليانوس فهدمها، فحمل المؤمنون رفاته إلى المدينة بالتسابيح. شيَّد الغربيون كنائس كثيرة في فرنسا وإيطاليا وأسبانيا باسم الشهيد، لإعجابهم بغيرته وشجاعته. ويحتفلون بعيده في 24 يناير بينما يحتفل اليونانيون به في 4 سبتمبر.
باخوس الشهيد
تُعيد الكنيسة القبطية للقديس سرجيوس (أبوسرجة) في 10 بابة، والقديس باخوس Baccus أو فاخوس في 4 بابه من كل عام، وتوجد في مصر القديمة كنيسة أثرية باسم القديس سرجيوس تسمى كنيسة أبي سرجة، بها المغارة الأثرية اسفل الهيكل القبلي حيث هربت إليها العائلة المقدسة. قدَّم لنا القديس ساويرس الأنطاكي مقالاً (57) عن هذين الشهيدين قام المتنيح الشماس يوسف حبيب بترجمته ونشره عام 1969. أمام مكسيميانوس وقف الشابان سرجيوس القائد بالجيش الروماني في منطقة سوريا والعامل في المدرسة العسكرية ومساعده واخس (باخوس) أمام مكسيميانوس الطاغية شريك دقلديانوس ومثيره ضد المسيحيين، يشهدان للسيد المسيح ويرفضان التبخير للأوثان، وكان قد استدعاهما لهذا الغرض. لاطفهما في البداية، وأخذهما كصديقين له إلى الهيكل جوبيتر حيث قُدمت مائدة من اللحوم المذبوحة للأوثان، وطُلب منهما أن يشاركاه في المائدة فرفضا بإصرار، عندئذ أمر بتجريدهم من النياشين التي على صدريهما وأن يُقادا في سوق المدينة وهما مرتديان ملابس النساء لتحطيم نفسيّتهما، أما هما فبقوة الروح قالا له: "يا من تحارب الله، أتظن أنك تثبط أرواحنا بجعلنا في شكل أنثى؟ إنك تستطيع بالقوة أن تلبس الأجساد ملابس النساء، لكنك لن تلبس أرواحنا المتوثبة رداء الجبن!..." أدرك الرجلان أن هذه الثياب لن تسيء إليهما، فقد حمل السيد على رأسه إكليل الشوك وسخر به اليهود، فكان ذلك سرّ فداء للبشرية وعلامة حب إلهي للإنسان. حقًا جاءت الوصية: "لا يكن متاع رجلٍ على امرأة، ولا يلبس رجل ثوب امرأة، لأن كل من يفعل ذلك مكروه لدى الرب" (تث22: 5)، هذه الوصية يلتزم بها كل مسيحي روحيًا بمعنى أن يمارس الإنسان العمل حسب العطية والموهبة التي أُعطيت له برضى، فلا يشتهي الرجل أن يقوم بدور المرأة، ولا المرأة بدور الرجل. عاد مكسيميانوس يلتقي بهما فدخلا معه في حوار روحي بأدب وهدوء مع شجاعةٍ وحزمٍ، وإذ شعر بالخجل أرسلهما إلى أنطيوخوس والي سوريا لكي يلاطفهما ويقنعهما بالعدول عن إيمانهما لينالا كرامات عظيمة، فسافرا إلى نواحي الفرات حيث كان الوالي مقيمًا. أمام أنطيوخوس والى سوريا التقيا بالوالي الذي تفرغ لهما محاولاً إغرائهما، أما هما فكانا ثابتين على الإيمان. أمر الوالي بتعرية واخس، وتناوب الجند على جلده بأعصاب البقر على ظهره وبطنه حتى اسلم الروح تحت قسوة الجلدات، وطُرح جسمه في الصحراء فجاءت بعض الوحوش الضارية تحرس جسده بطريقة معجزية حتى جاء بعض المؤمنين وحملوا الجسد. في الليل ظهر القديس باخوس لرفيقه سرجيوس يدعوه إلى المساكن العلوية ويبثّ فيه روح الشجاعة فامتلأ سرجيوس فرحًا وتهليلاً. في الغد استدعى انطيوخوس الوالي القديس سرجيوس أمامه في مدينة روصافا Rosafa التي تبعد حوالي 20 ميلاً من مدينة بربالسا التي استشهد فيها القديس باخوس. هناك صدر الأمر بأن يسير القديس بأحذية بها مسامير مدبَّبة لمسافة طويلة، فكان يذكر القديس جراحات السيد المسيح، كما كان يردِّد كلمات الرسول: "حاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام". في الليل شُفيّ القديس من جراحاته فاغتاظ القاضي وأمر بتكرار الأمر في اليوم التالي. وقد حسب القديس ذلك مجدًا له، محتملاً صليب سيده، فأمر القاضي بعد فترة قصيرة بقطع رأسه (حوالي عام 303م). تُعيد له الكنيسة اليونانية واللاتينية في 8 أكتوبر. Butler’s Lives of Saints, Oct. 8.
بابياس ورفقاؤه الشهداء
من كورنثوس نُفيّ جماعة من الشبان من كورنثوس باليونان إلى منطقة طيبة بصعيد مصر بسبب إعلانهم عن إيمانهم بالسيد المسيح، وذلك في عهد الإمبراطور مرقس أوريليوس نوميريان، سنة 284م. أما أسماء هؤلاء الشبان فهي: بابياسPapias ، فيكتوريانوس، فيكتور (بقطر)، أنيسيفورس، كلوديانوس، ديسقورس، سيرابيون. إذ التقى هؤلاء الشبان بالوالي سابينوس، وقد ظهرت عليهم علامات الوقار والاتزان مع الغِنى والشرف رقّ لحالهم، وصار يحثهم بلطفٍ سائلاً إيَّاهم أن يترفَّقوا بشبابهم وينكروا مسيحهم ويخضعوا لإله الإمبراطور حتى لا يتعرضوا للعذابات المريرة وإلى فقدان حياتهم. أجابه الشباب بلطف وحزم مُعلنين إيمانهم بمسيحهم، أما عن الآلام التي هدَّدهم بها فقالوا له: "هذه هي طلبتنا التي لن نكف عن أن نسألها من ربنا خلال صلواتنا البسيطة، وإننا نشعر بسعادة عظيمة إن استجيب لنا". عندئذ عرَّضهم لبعض المتاعب البسيطة ليرى إن كانوا ينهارون أمامها، وإذ أظهروا كل ثبات عذبهم بعنف. مع الشهيد فيكتوريانوس كما اعتاد الولاة الرومان، سأل الوالي سابينوس فيكتوريانوس عن اسمه، وكانت الإجابة أنه مسيحي. هدَّده الوالي بالعذابات القاسية التي يعدَّها له إن لم يذبح للآلهة، فأجابه: "إنني أخشى الآلام الفائقة الوصف التي تنتظرني إن ارتدِّيت عن إيماني، أما عن العذابات التى تعدّها لي فإني أتقبلها حتى أنجو من العذابات التي ما بعد الحياة، هذه التي أُعدَّت لكم وللشيطان أبيكم". ابتكر سابينوس طريقة للتعذيب، إذ جاء بساق شجرة طويلة من البلوط وجوَّفها وملأها فتحات، ثم قال لفيكتوريانوس في سخرية: "أدخل إلى مخدعك الجديد". أجابه القديس: "يالك من مسكين! إنك تريد أن تسخر بي بهذه الوسيلة مع إنني أينما وُجدت أكون أنا نفسي منزلاً يسكن فيه إلهي يسوع المسيح، الذي بفضله أحتمل كل عذاباتكم". دخل فيكتوريانوس في ساق الشجرة بنفسه، ثم أُعطيت الإشارة للجلادين أن يُدخلوا أدوات حديدية مسننة من الفتحات حتى امتلأ جسد القديس من الجراحات، وكان الدم ينزف من كل جانب، وكان الوالي في سخرية يقول لعسكره: "قولوا لفيكتوريانوس الذكي أن يحمى إيمانه الذي يبشر به". أُخرِج الشهيد لكي يسحق الجند يديه ورجليه بالمطارق، ثم قطعوا رأسه بالسيف، ونال إكليل الاستشهاد. مع الشهيد سابينوس ورفقائه أمر الحاكم ببتر يديّ سابينوس ورجليه وإلقاء جسده في الاسطوانة الخشبية، وكان الشهيد يصرخ: "هذا كله يزيد من مجدي الأبدي". وإذ خرج كجثة هامدة ضربوه بالسيف، لتنطلق نفسه متهللة إلى الفردوس. أما أنيسيفورس فإذ رأى رفيقيه اللذين استشهدا انطلق بنفسه نحو الاسطوانة طالبًا من الوالي أن يُسرع بالحكم عليه، فأمر الوالي بإخراجه من الاسطوانة ليُشوى بالنار؛ لكن قبل مفارقة نفسه لجسده قطَّعوا جسمه إلى أجزاءٍ صغيرة، أما نفس القديس فكانت ممتصَّة في المجد الأبدي. جاء دور كلوديانوس فقُطع جسمه إربًا وألقيَّ بها عند أقدام زملائه الباقين لعلَّهم يرتعبون. أما سيرابيون فقُطعت رأسه، وبابياس ألقيّ في النهر، وهكذا نال الكل إكليل الشهادة، حاملين بفرح سمات ربنا يسوع المصلوب! Chéneau: Les Saints d’Egypte, tome 2, p.0 318
بابيلاس الشهيد
تحتفل الكنيسة القبطية بعيد استشهاد القديس بابيلاس أو فافيلاس أو فيلاس في 28 طوبة. وهو أسقف لا نعرف اسم إيبارشيته، حاكمه نوماريوس في عهد دقلديانوس. قام بمحاولة إغرائه بمراكز زمنية فسخر بذلك. صار يعذبه مع ثلاثة فتيان، وأخيرًا قطع رؤوسهم لينالوا إكليل الاستشهاد. قابل أمر نوماريوس بفرحٍ وبشاشةٍ، ثم أخذ يصلي، وعاد ليقول في رقة للجلادين: "اكملوا أوامر الملك يا أولادي!". O’Leary: The Saints of Egypt, p. 94
بابياس الأسقف
القديس بابياس أسقف هيرابوليس بآسيا الصغرىSt. Papias of Hierapolis (حوالى سنة 80 - 160م)، كما يقول القديس إيرينيؤس في القرن الثاني إنه تلميذ القديس يوحنا اللاهوتي (الإنجيلي) وصديق القديس بوليكاربوس. كان رجلاً ذا ثقافة عالية، له معرفة بالكتاب المقدس، أعطى اهتمامًا خاصًا بجمع التقليد الشفوي الخاص بحياة السيد المسيح وأقواله. فقد وضع عمله المشهور: "تفسير أقوال الرب" Expositions of the Oracles of the Lord في خمسة كتب، للأسف لم يصلنا منه إلا مقتطفات في كتابات إيرينيؤس ويوسابيوس. قدم في هذا العمل ملاحظاته على الإنجيلين بحسب مرقس ولوقا، كما أبرز الاهتمام بالتقليد الشفوي خلال شهود العيان للسيد المسيح. أول من تحدث عن المُلك الألفي بطريقة حرفية بكون السيد المسيح سيملك على الأرض، وكان يظن بذلك أنه يحقق ما ورد في النبوات، لكن الكنيسة رفضت ذلك. Rev. B. Schmid: Manual of Patrology, St. Louis 1903, p 85.
أنبا إشعياء الإسقيطي
لا نعرف كثيرًا عن حياته، لكن ما جاءنا عنه يكشف عن مدى سموّ حياته وقدراته الروحية والتعليمية حتى تسلم تدريب حياة الكثيرين من الرهبان في بدء حياتهم الرهبانية، وقد جاءت تعاليمه للرهبان المبتدئين حية ورائعة. مع القديس أرسانيوس يبدو أنه كان مسئولاً عن حياة القديس أرسانيوس في بداية رهبنته، وإذ كان الأخير يأكل صنفين بقلاً وخلاً يكسر بهذا النظام الرهباني في عهده. وقد خجل أنبا إشعياء أن يحدثه في هذا الأمر، إذ يعلم حياته الأولى كمعلم لأولاد الملوك عاش في القصر مدللاً، لكنه إذ دخل تارة قلاية أحد الإخوة المجاورين للقديس أرسانيوس يدعى زينون، ووجده يبل الخبز الجاف في ماء به ملح ليأكله بسبب الحر الشديد، وجدها فرصة لا للتشهير بهذا الأخ وإنما لتعليم أرسانيوس. أخذ الأب إشعياء الوعاء الذي به الماء ووضعه أمام قلاية أنبا أرسانيوس وأمر فدقوا الجرس واجتمع الإخوة، عندئذ قال: "يا أخي، لقد تركت تنعمك وكل مالك وجئت إلى الإسقيط حبًا في الرب وخلاص نفسك، فكيف تريد الآن أن تتلذذ ذاتك بالأطعمة... إن كنت تريد أن تأكل مرقًا امضِ إلى مصر، لأنه لا يوجد في الإسقيط تنعم". وإذ سمع الأنبا أرسانيوس، قال لنفسه: "هذا الكلام موجه إليك يا أرساني". "والعجيب أن ما فعله مع القديس أرسانيوس حدث معه شخصيًا في بداية رهبنته، إذ دخل عليه الأنبا أخيلاس في قلايته ووجده يأكل، وكان يبل الخبز الجاف أيضًا في إناء به ماء وملح، وإذ شعر بمجيء أنبا أخيلاس أخفى الإناء وراء "الحصيرة"... لكن الأنبا أخيلاس كشف الأمر، وإذ اعتذر أنبا إشعياء إنه كان يقطع سعف النخيل في الحر، وقد جفّ حلقه لذا كان يبل الخبز الجاف... فوبخه، قائلاً له: "أبا إشعياء يأكل مرقًا في الإسقيط، إن أردت أن تأكل مرقًا اذهب إلى مصر". دروس في الجهاد قيل عنه أنه حمل وعاءً ومضى إلى البيدر ليقول لمالكه: "اعطني قمحًا"، فأجابه: "وهل حصدت يا أبتِ؟" قال: "لا"، فقال له صاحب البيدر: "كيف تريد إذن أن تحصد من حيث لم تزرع؟! "قال الأب: "إذن من لا يعمل لا يأخذ أجرة"... ثم تركه الشيخ ومضى. إذ رأى الإخوة ذلك انحنوا أمامه، قائلين: "اخبرنا لماذا فعلت ذلك؟" أجاب الشيخ: "فعلت هذا مثالاً، من لا يعمل لا يتقبل من الله جزاء". إرشاداته للمبتدئين ليس شيء ينفع المبتدئين مثل (احتمال) الإهانة، فالمبتديء الذي يحتمل الإهانة يكون شجرة ترتوي كل يوم. كما أن الغصن الغضّ ينحني بسهولة، هكذا المبتدئون الذين يعيشون في الطاعة. المبتديء الذي يتنقل من دير إلى دير يشبه حيوانًا يركض هنا وهناك بسبب ذبابة خيل. قال أيضًا إنه إذ كان الإخوة مجتمعين يأكلون في الكنيسة (المبنى الملحق بها) وجبة محبة وكانوا يتكلمون فيما بينهم، انتقدهم كاهن البلسم (الفرما)، قائلاً: "اصمتوا يا إخوة، فقد رأيت أخًا يأكل معكم ويشرب مثلكم، وصلاته ترتفع إلى حضرة الله مثل النار. الصلاة أحب الصلاة في كل حين ليضيء قلبك بأسرار الله. لا تتوانى في صلوات السواعي (الأجبية)، لئلا تقع في أيدي أعدائك. اجهد نفسك في تلاوة المزامير، فإن ذلك يحفظك من خطية الدنس. الجهاد إن كنت في شيء من تعب الرهبانية ورأيت الشياطين قد انهزموا منك وانغلبوا في القتال فلا تطمئن، بل كن على حذر منهم... واعلم أنهم يهيئون لك قتالاً أشر من الأول... الصوم يذل الجسد، والسهر ينقي العقل، أما كثرة النوم ففيه خسارة العقل وجفاف العينين وغلاظة القلب. حب التعب والمشقة في كل شيء لتخفف عنك أوجاعك. الكسل يجلب علينا الأعداء، ابغض الكسل كيلا تحزن. مصادقة العظماء إن مضيت إلى رؤساء (عظماء) العالم مريدًا مصادقتهم فليس فيك خوف الله. إن شئت أن تكون معروفًا عند الله، فلا تُعرف الناس بنفسك، لأن المرتبط بأمور العالم إذا سمع الحق يرذل قائله. العفة وحفظ الحواس احفظ قلبك وعينيك فلن يصيبك بأس جميع أيام حياتك. إذا تحدث أناس بأفكار لم تبلغها ولم تُحارب بها فامتنع عن سماع كلامهم هذا، لئلا تجلب على نفسك ذلك القتال. احذر من فتح فمك بالضحك، فإن الضحك يوضح عدم وجود خوف الله. إياك أن تتمادى في ذكر خطاياك السابقة، والتلذذ بها، لئلا تنتابك الأتعاب، وإن قوتلت بزنا في أحلام الليل، فاحفظ فكرك من تذكرها بالنهار، ولا تذكر أيضًا تلك الأجساد التي أبصرتها أثناء نومك، لئلا تتدنس بلذتها وتجلب على نفسك حزنًا. ليكن فكرك منشغلاً بالله، وهو يحفظك. ابغض كلام العالم ليفرح قلبك بالله. التوبة إن قال لي إنسان: "إني أريد أن أتوب عن خطاياي"، وهو لا يزال يفعل شيئًا منها فهو كاذب. إن أخطأت في أمر ما فلا تستح وتكذب، بل اسرع وقر بذنبك واستغفر، فيغفر لك. طوبى لمن اهتم من أجل جراحاته لتُشفى، وعرف خطاياه، وطلب من أجلها الغفران. المحبة لتكن محبًا للمؤمنين لتحل عليك رحمة الله. لتكن محبًا للقديسين لتغار بأعمالهم الصالحة. لنكن محبين لجميع الناس لنخلص من الغيرة، لنكن متصالحين مع كل أحد لنخلص من الغيرة... عدم الإدانة إذا أبصرت إنسانًا قد أخطأ فلا تحتقره ولا تزدري به، لئلا تقع في أيدي أعدائك... إذا سمعت أخًا يدين آخر فلا تستح منه أو توافقه لئلا يغضب الله، بل قل بتواضع: "اغفر لي يا أخي فإني إنسان شقي، وهذه الأمور التي تذكرها أنا منغمس فيها ولست أحتمل ذكرها". من لا يدين أحدًا فقد استحق الراحة، إذا انشغلت عن خطاياك وقعت في خطايا أخيك. إن قلت أن فلانًا صالحًا وفلانًا شرير خربت نفسك.
بائيسة القديسة
وُلدت في منوف في القرن الرابع الميلادي من أبوين غنيين، ونشأت في حياة مقدسة وكانت منذ صباها تحب العبادة لله وخدمة الفقراء. إذ تنيح والداها اشتاقت أن تنطلق إلى إحدى بيوت العذارى، فقامت توزع أموالها على المحتاجين، وتأوي في بيتها الغرباء، لكن عدو الخير لم يتركها إذ استطاع بعض الأشرار أن يميلوا قلبها شيئًا فشيئًا حتى انهارت تمامًا، واستسلمت للخطية، فصار بيتها مكانًا للفساد. سمع آباء شيهيت بما حدث فحزنوا جدًا، وقضوا فترة في الصوم والصلاة من أجلها ثم طلبوا من القديس يحنس القصير أن يمضي إليها، وبالفعل أطاع، وإذ تهيأت لاستقباله، دخل وهو يرتل: "إن سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرًا لأنك معي"، ثم صار يوبخها على استهتارها وهو يبكي بمرارة. سألته عن سرّ بكائه، فأجاب أنه يعاين الشياطين تلهو على وجهها. سألته إن كان لها توبة، ففتح أمامها باب الرجاء وسألها أن تترك هذا الموضع وتنطلق معه إلى البرية. إذ مال النهار سألها أن ترقد في موضع بعيد، وإذ قام في نصف الليل رأى عمودًا من نورٍ نازلاً من السماء والملائكة تحمل نفسها. اقترب إليها ليجدها قد رقدت، فسجد إلى الأرض يشكر الله على صنيعه معها، وسمع صوتًا يقول: "لقد قُبلت توبتها في الساعة التى تابت فيها، لأنها قدمت توبة خالصة من قلبها". دفن القديس جسدها وانطلق إلى البرية يخبر الآباء بما حدث، فمجدوا الله. تعيد لها الكنيسة في الثاني من شهر مسرى.